أبو نصر الفارابي

118

آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها

الأجسام الهيولانية . وكل هذه تحتذي حذو السبب الأول وتؤمه وتقتفيه ؛ ويفعل ذلك كل موجود بحسب قوته . الا أنها انما تقتفي الغرض بمراتب ، وذلك أن الأخس يقتفي غرض ما هو فوقه قليلا ، وذلك يقتفي غرض ما هو فوقه ، وأيضا كذلك للثالث غرض ما هو فوقه ، إلى أن تنتهي إلى التي ليس بينها وبين الأول واسطة أصلا . فعلى هذا الترتيب تكون الموجودات كلها تقتفي غرض السبب الأول . فالتي أعطيت كلّ ما به وجودها من أول الأمر ، فقد احتذى بها من أول أمرها حذو الأول ومقصده ، فعادت وصارت في المراتب العالية . وأما التي لم تعط من أول الأمر كل ما به وجودها ، فقد أعطيت قوة تتحرك بها نحو ذلك الذي تتوقع نيله ، وتقتفي في ذلك ما هو غرض الأول . وكذلك ينبغي أن تكون المدينة الفاضلة : فإن أجزاءها كلها ينبغي أن تحتذي بأفعالها حذو مقصد رئيسها الأول على الترتيب « 1 » . ورئيس المدينة الفاضلة ليس يمكن أن يكون أي انسان اتفق ، لأن الرئاسة انما تكون بشيئين : أحدهما أن يكون بالفطرة والطبع معدا لها ، والثاني بالهيئة والملكة الإرادية . والرئاسة تحصل لمن فطر بالطبع معدا لها . فليس كل صناعة يمكن أن يرأس بها ، بل أكثر الصنائع صنائع يخدم بها في المدينة ، وأكثر الفطر هي فطر الخدمة . وفي الصنائع صنائع يرأس بها ويخدم بها صنائع أخر ، وفيها صنائع يخدم بها فقط

--> ( 1 ) ترتيب المدينة يشبه ترتيب العالم ، ورئيسها يشبه الله وأجزاؤها يجب أن تحذو حذو مقصد رئيسها الأول على الترتيب .